السبت، 10 مايو، 2014

من عجائب الكون

بحث من إعداد/ د. محمد زهير

المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو الداكنة والمعتمة، الثقوب السوداء والثقوب الدودية، هي جزء من ألغاز الكون وغرائبه التي تتحدى العلم والعلماء منذ أكثر من قرن من الزمانومع ذلك لم يستلم البشر وما زالوا مثابرين في عملية البحث والتقصي لمعرفة اسرارها وفك شفرتها وتحليل اسبابها وتداعياتها اكتشاف قوانينها.

في كل يوم يظهر في الغرب المتقدم كتب وأفلام علمية وتقام محاضرات وندوات ومؤتمرات علمية في شتى فروع العلم وبالأخص علم الكونيات والفيزياء الكونية وبالرغم من ذلك يزداد الغموض وتتكاثر الألغاز بشأن الكون المرئي.
فهناك أحداث عجيبة وغريبة تحدث على الدوام في الكون المرئي مثل الرقص العشوائي للكواركات quarks، وهي الجسيمات مادون الذرية التي تعتبر أحد مكونات نواة الذرة، والفالس التقليدي لمنظومات نجمية مكونة من نجمين أو ثلاثة أو أكثر تدور حول بعضها البعض بإيقاع خاص ومحدد، وجسيمات الله أو بوزونات هيغز Les particules de Dieu ou Bosons de Higgs اللغزية التي تمنح باقي الجسيمات كتلتها منذ الانفجار العظيم أو البغ بانغ Big Bang والدوران المهول للمجرات في كوننا المرئي والتي تخضع كلها لمبدأ فيزيائي عظيم ومجهول تسيره معادلة كونية واحدة يسعى البشر منذ آلاف السنين إلى اكتشافها، هذا فضلاً عن لغز المادة السوداء matière noire والطاقة المعتمة أو الداكنة énergie sombre حيث ثبت بالحسابات الرياضية أنها تشغل 73% من مكونات الكون المرئي في حين تشغل المادة السوداء نسبة 23% بينما لا تتجاوز المادة العادية الملموسة التي يتكون منها كل شيء مادي في الكون المرئي من مجرات ونجوم وكواكب ومخلوقات أو كائنات حية، نسبة 0.4% إلى جانب 3.6% من الغازات الكونية.

وهناك أيضاً المفارقات أو التناقضات التي تفرزها القوانين الفيزيائية. فعلى سبيل المثال قال قانون نيوتن إنك إذا ركضت خلف شعاع الضوء بسرعة فقد تلحق بشعاع الضوء إذا بلغت سرعته لكن قوانين كلارك ماكسويل عن الكهرومغناطيسية تمنع ذلك وتقول باستحالته، ولقد أكد آينشتين استحالة التنقل بسرعة الضوء.
قد يكمن الرد بافتراض أننا ينبغي أن نعتمد مبدأ تنوع سرعات الضوء وليس سرعة واحدة ثابتة ومطلقة كما قال آينشتين إذ قد تكون هذه السرعة، وهي 300000 كم في الثانية، التي قسناها وتأكدنا من صحتها، صالحة داخل كوننا المرئي فقط ، أو ربما داخل مجرتنا درب التبانة فحسب،وتكون مختلفة خارجها، فالزمان والمكان حسب آينشتين لا يتأثران فقط بحركة المراقب بل أنهما قد ينحرفان ويلتويان أو ينبعجان تبعاً لوجود المادة والطاقة التي تعترض طريقهما مما يحدث تشوهات في نسيج الزمكان حيث أن هذا الأخير ليس مجرد خلفية للأحداث بل يلعب دوراً جوهرياً في حدوثها. وهناك الانحناء الهندسي الرقيق لشكل الفراغ الناجم عن النسبية والذي يتناقض مع السلوك المتذبذب أو المتقلب على المستوى الميكروسكوبي اللامتناهي في الصغر في العالم الكوانتي أو الكمومي في ميكانيكا الكم أو الكوانتا.
ولتجاوز هذا التناقض ينبغي اعتماد الحل الكوانتي الذي يقول بتعدد الأبعاد المكانية المظفرة بقوة في نسيج الكون المرئي المطوي.
فالنسيج الميكروسكوبي لعالمنا هو عبارة عن متاهة متعددة الأبعاد مجدولة بغزارة تتذبذب وتلتوي داخلها أوتار العالم المادي بشكل لا نهائي في إيقاع متناغم ينبثق عنه أو يلفظ قوانين الكون التي نعرفها والتي تتحكم بتمدد المكان والزمان كما تقول نظرية الأوتار الفائقة التي تطرح فكرة أن كوننا المرئي ولد من جراء تصادم كونين متوازيين هما عبارة عن غشائين أوفقاعتين أوليتين من ضمن عدد لانهائي من الأكوان ـ الأغشية أو الأكوان ـ الفقاعات التي كانت موجودة قبل الانفجار العظيم على شكل وجود افتراضي أو معلومة حاسوبية تختزن كافة المعلومات التي ظهرت للوجود مع ظهور الكون المرئي الذي نجم عن الانفجار العظيم من نقطة لانهائية في الصغر ولا نهائية في كتلها وكثافتها ودرجة حرارتها.

الزمان والمكان l’espace et le temps، أكثر من اي مصطلح آخر في الكون المرئي، يثيران المخيلة والتفكير والتأمل، لأنهما يمثلان المسرح الذي يدور فوق خشبته مشهد الواقع la réalité . فالزمكان l’espace – temps ، الآينشتيني ، بعد أن دمج هذا العالم الفذ الزمان بالمكان في وحدة متداخلة واحدة، هو البنية الأساسية للكون المرئي ومع ذلك يعجز العلم عن معرفة الماهية الحقيقية لهذا المكون الجوهري للوجود المادي فهل هو كينونة فيزيائية حقيقية أم مجرد فكرة ليس إلا؟ ولو كان الزمان والمكان كينونات حقيقية فهل هما جوهريان وأوليان ليس هناك مايولدهما ، أم أنهما جزء من مكونات أولية constituants élémentaires أخرى غير معروفة أو غير مكتشفة بعد ؟ وإذا كان هذا هو واقع الحال فماذا يعني الفراغ بالنسبة للمكان؟ وهل هناك بداية للزمان؟ وما سر اتجاه الزمان أو ما يسمى سهم الزمان flèche du temps ؟
وهل يسير هذا الأخير على نحو حتمي من الماضي إلى المستقبل ؟ وهل سنتمكن يوماً ما من التلاعب بالمكان والزمان والسيطرة عليهما أو التحكم بهما بغية تحقيق الترحال في أرجاء الكون المرئي المهولة؟ ولا ننسى معضلة الواقع la réalité فما هو الواقع حقاً؟ فنحن البشر نمتلك تجارب الإدراك الحسي والتأمل الداخلي والتفكير العقلاني والربط والاستنتاج المنطقي ولكن كيف نتيقن أن ملكاتنا الشعورية والحسية تقدم لنا صورة صادقة وحقيقية للعالم الخارجي المحيط بنا؟ فالفلاسفة والمبدعون من الشعراء والروائيين والسينمائيين صاغوا لنا عوالم اصطناعية وافتراضية انتجتها محاكات نورولوجية ـ عصابية ذات تكنولوجيا عالية ومتقدمة جداً وبالأخص الخدع المؤثرات البصرية الخاصة والمتقنة جداً ، وفي نفس الوقت هناك العديد من علماء الفيزياء والكونيات والفلك يعون بقوة أن الواقع، كما نرصده ونشاهده، ـ اي المادة التي تتطور وتتفاعل على مشهد أو مسرح المكان والزمان أو الزمكان ـ قد لا يكون لها اية صلة مع الواقع الحقيقي الذي لا يمكننا إدارك كنهه وسبر أغواره، هذا على افتراض وجود مثل هذا الواقع الحقيقي la réalité réelle، والحال أننا نعتمد فقط على مشاهداتنا ورصدنا ومعداتنا البدائية رغم تطورها وتقدمها التكنولوجي، قياساً بما هو مطلوب، لرصد حقيقة الكون المرئي ومعماريته وهندسته وشكله وأبعاده، ونتوسل لغة الرياضيات والمعادلات والحواسيب المتطورة العملاقة التي تتيح لنا القيام بعملية محاكاة تبعاً لما لدينا من معطيات.

ومن هناك ننطلق للبحث عن النظرية الأكثر بساطة وعمومية وأناقة تستطيع أن تفسر أغلب الظواهر الكونية وتتنبأ أو تتوقع نتائج التجارب التي تجرى اليوم وغداً. وبعد أن ترسخت نظريتان على مدى قرن من الزمان هما النسبية لآينشتين والكوانتية لبلانك ومجموعة من العلماء الأفذاذ بعده، لشرح اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر ، اصطدمنا بصعوبة إن لم نقل استحالة التوفيق بينهما وتزواجهما لإنتاج نظرية واحد موحدة وجامعة تفسر لنا الكون المرئي وما فيه، والإجابة على كل التساؤلات المطروحة أعلاه والتي سوف نعالجها في سلسلة من الدراسات اللاحقة.
بات من الجلي أننا بحاجة اليوم إلى أفكار ومناهج جديدة كلياً، ولأن يتجرأ العلماء والباحثون للولوج في أعماق المجهول وسلوك دروب جديدة بدلاً من التجمد عند حالة نظرية تسود لفترات طويلة من الزمن قد تمتد لعدة قرون ولا يسمح لأحد بخرقها أو تجاوزها أو نقدها كما كان الحال مع الفيزياء الكلاسيكية أو الميكانيكا النيوتنية وبعدها مع النسبية الآينشتينية واليوم مع نظرية الأوتار الفائقة والنظرية ـ من بعد أن أتخمت المكتبات بمؤلفات تجاوزت المائة ألف صفحة عن نظرية الأوتار وحدها كمثال الخ … وبالتالي يتعين على العلم اليوم أن يرفع راية مواجهة العديد من التحديات العلمية كالسيطرة على الزمان والتحكم به وتغيير اتجاهه والسفر في أتونه والتنقل فيه بحرية بين الماضي والحاضر والمستقبل، وكشف حقيقة الثقوب السوداء والمادة السوداء والطاقة المعتمة أو الداكنة أو السوداء والمادة المضادة ووزن الكون وحقيقة مكوناته وإثبات وجود الحضارات الكونية الأخرى والاتصال بها ومعرفة سر ما قبل الانفجار العظيم وأسباب حدوثه ومصير وليده الكون المرئي الخ.. على سبيل المثال لا الحصر.
كلما حاول الإنسان البحث في عمر الزمان توجب عليه أن يذهب بعيداً إلى الوراء، إلى اللحظة الأولى التي وسمت بداية المكان والزمان أو الزمكان، مجازياً أو افتراضياً، وهو رقم تقديري ليس إلا. أي يتعين على الإنسان ركوب الزمن والعودة إلى 13.700 مليار سنة وأكثر هي عمر الكون المرئي التقليدي.

رصدت أقوى التلسكوبات الفضائية البشرية مؤخراً نقطة مضيئة بعيدة جداً تقبع في عمق أعماق الكون المرئي على مسافة قدرت بـ 12.9 مليار سنة ضوئية وهي لمجرة في طور التكوين سميت آي أو ك واحد IOK-1- وهي الحروف الأولى لأسماء العلماء الذين اكتشفوها وهي أبعد جرم فضائي رصده الإنسان في الوقت الحاضر حيث ولدت تلك المجرة عندما كان عمر الكون لا يتجاوز بضعة مئات من ملايين السنين، ولكن ليس هناك ما يمنع في المستقبل ، ومع تقدم أجهزة الرصد ، من العثور على مجرات ونجوم أقدم عمراً بكثير وأبعد مسافة مما نستطيع اليوم مشاهدته، مما يمكن أن يخلق مفارقة أن يكون عمر المجرة أو النجمة أقدم من عمر الكون التقديري المتفق عليه الآن.
لقد استغرق الشعاع الصادر عن تلك المجرة كل هذه المدة والمسافة ليصل إلينا اليوم ويخبرنا عنها كما كانت عليه حاله آنذاك. فكلما توغلنا في العمق مكانياً كلما توغلنا أعمق في دهاليز الزمان وهذا يعني أننا ، وبحكم ثبات سرعة الضوء كما نصت عليها نظرية النسبية لآينشتين وحددتها بحوالي 300000كلم في الثانية الواحدة، لايمكن أن نرى النجوم إلا في ماضيها البعيد .
فضوء القمر يحتاج لثانية لكي يصل إلى الأرض لذلك نراه وهو في حالته الراهنة وفي زمنه الحاضر بينما يستغرق ضوء كوكب المريخ ثمان دقائق تقريباً لكي يصل إلى الأرض فنحن لا نعرف ما يحدث داخل المريخ إلا بعد مرور هذه الدقائق الثمانية.
لذا فإن ضوء نجمة الفيغا Véga يحتاج 26 عاماً لكي يبلغ كوكب الأرض بينما يحتاج ضوء نجمة آنتاريوسAntarèse إلى 600 سنة ، ويحتاج ضوء نجمة دينيب Deneb إلى 3000 سنة، ويطمح العلماء بتوجيه تلسكوباتهم نحو أعمق نقطة في الكون بغية الوصول إلى لحظة الانفجار العظيم. ويعمد العلماء كل عقدين أو ثلاثة عقود إلى تطوير تلسكوباتهم وجعلها أكثر فعالية وكفاءة وجودة وتقنية خاصة التلسكوبات الفضائية الموجودة في مدار الكرة الأرضية. وقد تمكنت بعض التلسكوبات التي أطلقت هذا العام من التقاط صور واضحة عن مكونات الكون المرئي لم يسبق لها مثيل، وستتمكن التلسكوبات التي ستطلق بين 2019 و 2040 من رسم خارطة مجسمة ثلاثية الأبعاد للكون المرئي، مثل JWST,ELT,SKA,GMT,E-ELT,GAIA,EUCLID وهي إما أرضية أو فضائية. والجدير بالذكر أن مرقاب أو تلسكوب بلانك planck سنة 2010 تمكن من التقاط صورة نادرة للكون وهو جنين يعود تاريخها إلى 380000 سنة بعد الانفجار العظيم بفضل الإشعاعات الكوزمولوجية المنتشرة المتحجرة أو الخلفيةfond diffus cosmologique .

ولكن هل سيتمكن العلماء يوما ما من رؤية أو رصد مرحلة ما قبل حدوث الانفجار العظيم، لو كان هناك ما يمكن أن نسميه “قبل” هذا الحدث؟ وبعد هذه الخطوة سيحاول العلماء معرفة الجانب الخفي للكون المرئي أي الجانب غير المرئي والمتمثل بإثبات وجود المادة السوداء والطاقة الداكنة أو المعتمة ومعرفة ماهيتها وطبيعتها وكميتها ودورها أو وظيفتها، والذي يمثل أكثر من 95% من مكونات الكون المرئي حتى في كونها غير مرئية إذ إن ما نراه ونرصده لا يتعدى نسبة 5% فما هو سر هذه الكينونات الغامضة؟
في سنة 1933 نوه عالم الفلك والفيزياء الفلكية فريتز زفيكي Fritz Zwicky وللمرة الأولى، إلى إحتمالية وجود مادة غير مرئية أو خفية matière invisible بعد أن حلل نتائج مرصد جبل ويسلون بشأن مجموعة مجرات لحشد الكوما galaxies de l’amas de coma لكنه كان صعب المراس وعصبي المزاج فلم ينجح بإقناع زملائه بصحة فرضيته وأهمية اكتشافه آنذاك.
وفي السنوات الأربعين التي أعقبت ذلك التاريخ، وبعد إثبات حقيقة توسع وتمدد الكون المرئي وتباعد المجرات عن بعضها بسرعات عالية، ونجاح مسرعات ومصادمات الجزئيات في اكتشاف أنواع أخرى كثيرة من الجسيمات الأولية ، أعاد العلماء النظر في فرضية زفيكي.

في سنة 1970 درست عالمة الفلك الأمريكية فيرا روبين Véra Rubin، دوران المجرات اللولبية، في مؤسسة كارنيجي Institution Carnegie في واشنطن، والتي تعتبر مجرة درب التبانة la Voie Lactée واحدة منها، والتي تضم كل واحدة منها مئات المليارات من النجوم والغيوم الغازية والأغبرة الكونية.
وقد لاحظت هذه العالمة للوهلة الأولى أن نجوم مجرة آندوميدا Andromède الواقعة في محيط وأطراف المجرة تدور بسرعة أكبر من سرعة دوران النجوم القريبة من مركز المجرة أي أسرع مما ينص عليه قانون الثقالة أو الجاذبية gravitation ، ونفس الشيء في باقي المجرات التي أخضعتها لمراقبتها ودراستها ، فما كان منها إلا أن تستلهم وتتبنى فكر العالم فريتز زفيكي وقدمت بدورها فرضية تقول أن المادة الموجودة في النجوم والغيوم المحيطة بها لا تشكل سوى جزء ضئيل من الكتلة الكلية للمجرات فأين يختفي الجزء الباقي والأكبر من كتلة المجرات، حتى بعد دراسة وحساب كمية المادة المحتجزة أو المسجونة داخل الثقوب السوداء في كل مجرة والتي لم تسمح بتفسير هذه الظاهرة؟

إن الكمية المفقودة من المادة لا يمكن أن تتركز في مراكز المجرات لأن نجوم الأطراف والمحيط أو الضواحي هي التي تدور بسرعات أكبر من سرعة دوران نجوم المركز، من هنا لابد وإن المادة غير المرئية، التي سميت بالمادة السوداء matière noire منتشرة من حول، وما بين، وفي داخل، المجرات.
ومنذ ذلك الوقت والعلماء يتسابقون لمعرفة طبيعة ومكونات هذه المادة السوداء وقدموا عشرات الفرضيات والاحتمالات لكنها لم تكن مقنعة أو كافية. كان أغرب افتراض قدمه العلماء أن هذه المادة تتكون من ذرات سوداء Atomes Noirs في محاولة لتفسير افتقاد أو ندرة المجرات القزمة galaxies naines بافتراضهم أن هذه المجرات غير مرئية لأنها مكونة من المادة السوداء. وقد افترض العالم الفيزيائي كريستوفر ويلز Christopher Wells في نظريته أن تلك المادة السوداء مكونة بدورها من ذرات هيدروجين سوداء على غرار ذرة الهيدروجين العادية أي من بروتون أسود يدور حوله الكترون أسود. بعبارة أخرى إن الكون مليء بنسبة 5% بالمادة العادية المرئية التي نعرفها ونراها ونتعاطى معها، والباقي من المادة السوداء التي لا تحتك ولا تتفاعل مع المادة التي نحن مكونين ومصنوعين منها، بل هي تتفاعل فيما بينها فقط وتتبادل فيما بينها الفوتونات السوداء. وهي تخضع اليوم للاختبار وعمليات المحاكاة الكومبيوترية لتحسينها.

بل إن بعض العلماء، ومنهم ممن يحمل جائزة نوبل، تخيلوا وجود كون كامل غير مرئي مكون من المادة السوداء متداخل وممتزج بكوننا دون أن ندرك وجوده ويعمل على غرار كوننا بالضبط وفيه كواكب سوداء ومجرات سوداء تملأ الزمكان الأسود المجاور لزمكاننا ولو عثرنا على المادة السوداء فإننا نكون قد عثرنا على مؤشرات على وجود كون خفي هو عبارة عن مرآة لكوننا ولكن بقياسات أكبر بكثير نظراً لتفوق كميات المادة السوداء على كميات المادة العادية، حيث تمثل نسبة 23% من مكونات الكون المرئي، ويمكن أن يضم مثل هذا الكون الأسود ” حياة سوداء”، وعلماء سود، يتساءلون ويبحثون بدورهم عن المادة العادية غير المرئية بالنسبة لهم .
وبموجب معادلة الكتلة والطاقة التي وضعها آينشتين E=MC2 يمكن النظر للمادة كشكل مكثف جداً من الطاقة. ففي كل لحظة بعد التفاعلات الكيمائية والنووية يمكن للطاقة، الموجودة على شكل إشعاعات، أن تتحول إلى جسيمات مادية والعكس صحيح. ولكن بما أن الجزء الأكبر من مادة الكون تفلت من رصد أجهزتنا الاستشعارية فهل هذا ينطبق على النوع الآخر من الطاقة المسمى بالطاقة الداكنة أو المعتمة énergie sombre الجواب هو بالإيجاب. ويعتبر العلماء أن هذه الطاقة المعتمة المجهولة الماهية تمثل ما بين 73% و 80% من مكونات الكون المرئي. أما عن دور ووظيفة هذه الطاقة فهو خلق قوة معاكس للثقالة أو الجاذبية الكونية مما يعمل على دفع المجرات للهروب والابتعاد بعضها عن البعض وتحل محل الثابت الكوني الشهير الذي افترضه آينشتين في بدايات القرن العشرين عند طرحه لنظريته النسبية.

سنتناول في الفقرات القادمة لغز الثقوب السوداء وثغرات نظرية الأوتار الفائقة وميكانيك الأكوان المتعددة والمتوازية والأكوان التوأم، وبوزونات هيغز، والمادة المضادة.

  • الثقوب السوداء والثقوب الدودية:
من أغرب المواضيع التي تدرسها الفيزياء الفلكية وعلم الكون هو موضوع الثقوب السوداء والثقوب الدودية Trous noirs et trous de Vers، وقد نشأ هذا التخصص مع ظهور نظرية النسبية لآينشتين La relativité générale d’Einstein في بداية القرن العشرين المنصرم. فبعد فترة قليلة من نشر ابحاث آينشتين في النسبية وجد العالم كارل شفرادزشايلد Karl Schwarzschild حلاً لمعادلات آينشتين المتعلقة بفرضية الثقب الأسود حتى قبل ظهور هذه التسمية رسمياً وعلمياً حيث ساد هذا التعبير سنة 1967 من قبل العالم الشهير جون آرشيبالد ويليرjohn Archibald Wheeler بالرغم من اعتراض آينشتين نفسه.
وفي سنة 1971 جاء البرهان العلمي عندما رصد علماء الفلك النجمة الثنائية أو المزدوجة étoile binaire والتي عرفت بإسم سيغنوس إكس واحد Cygnus X-1، حيث وجدوا أن أحد عناصرها يبدو عليه أنه يمتلك كل صفات وخصائص الثقب الأسود كما صرنا نعرفها اليوم. وميزوها بدقة عن نوع آخر من النجوم التي سميت بالنجوم النيوترونية étoiles à neutrons، وتزايدت المناطق الكونية التي عثر فيها علماء الفيزياء الفلكية وعلماء الكونيات على عدد كبير ومتنوع من الثقوب السوداء، في الميكروكازارات microquasars، والأنظمة الشمسية الثنائية أو المزودوجة ، وفي قلب المجرات. وبالرغم من المعرفة المعمقة والمتراكمة عن الثقوب السوداء إلا أن العلماء مضطرون للاكتفاء اليوم بالتأثيرات غير المباشرة لهذه الكينونات الكونية ويأمل العلماء قريباً بالحصول على صورة حقيقية لثقب أسود مع تقدم علم البصريات وتكنولوجيا التصوير الفوتوغرافي والسينمائي.

وبالرغم من هذا التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل، فإن الكون المرئي ما يزال يدهشنا من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر، كلما تقدمنا في الكشف عن اسرار بنيته وهيكليته ومعماريته، سواء تعلق الأمر بالكواكب أو النجوم والمجرات، و الثقالة أو الجاذبية التي تسير وتتحكم بسير وعمل وتنظيم الكون الحي وتتحكم بحركاته وتطوره ومستقبله ومصيره. ويقال في الوسط العلمي الفيزيائي والفلكي أن دراسة الثقوب السوداء تعني دراسة كل المسائل الشائكة في علم الكون الكوزمولوجيا cosmologie وعلم الفلك astronomie ، بعبارة أخرى أننا نرى الكون برمته من خلال دراسة هذه الظاهرة الكونية وعلاقتها بالنسبية العامة وميكانيك الكم أو الكوانتا وفيزياء الطاقات القصوى والنظريات الحديثة عن المكان والزمان أو الزمكان.

هناك أنواع متعددة من النجوم فحوالي 90% من النجوم بما فيهم شمسنا تمتلك كتلة هي أدنى من الكتلة الكبرى التي تساوي عشرة اضعاف كتلة الشمس فما فوق، فالنجوم التي تقل كتلتها عن 3.50 أو أربعة أضعاف كتلة الشمس أو تعادلها، تولد، عند انتهاء عمرها وقرب أجلها، أقزاماً بيضاء naines blanches لا تتجاوز في حجمها حجم الأرض وربما أصغر، لكنها أكثر كثافة بمليون مرة أو أكثر، في حين تتحلل أو تذوب الغازات الخارجية الكوكبية المحيطة بها.
وهناك 9.9% من النجوم الباقية التي تتجاوز كتلها عشرة أضعاف كتلة شمسنا فإنها تنفجر في مسعار كبير سوبر نوفا supernovae حيث يتقلص قلبها إلى كرة لا يتجاوز قطرها 15 كلم ويتحول بعضها إلى نجوم نيوترونية étoiles neutrons، يمكن مقارنة كثافتها بكثافة نوى الذرات noyaux atomiquesفي حين يكون الضغط السائد في قلبها مرتفعاً إلى درجة تجعل القوانين الفيزيائية تتعرض لمحنة أو لشبه شلل وتوقف شبه تام، مما جعل بعض العلماء يتكهن بوجود نوع آخر من النجوم سميت بالنجوم الغريبة étoiles étranges، مكونة من كواركات quarks وهي قريبة في حجمها و كتلتها من النجوم النيوترونية والتي يصعب تمييز صفاتها وخصائصها المرصودة والمرئية observationnelles، وأخيراً إذا كانت كتلة النجمة تزيد على 30 ضعف كتلة شمسنا فإنها سوف تنفجر في آخر ايامها على شكل هيبرنوفا hyper novae وتظهر لنا على شكل قفزات أو نفضات شعاعية من أشعة غاما sursaut gamma وإن نواتها ستنهار على شكل ثقب أسودtrou noir نتيجة للجذب الثقالي الجبار الموجود في تلك النواة.

إن النجوم الثقيلة جداً وذات الكتل الهائلة، نادرة مقارنة بعدد نجوم الكون المرئي المعروفة ولا تتجاوز النسبة واحد بالألف. وفي مجرتنا وحدها هناك حوالي 200000 نجمة من هذا النوع من مجموع 200 مليار نجم، لذلك يمكننا أن نتوقع ولادة بضعة ملايين من الثقوب السوداء بمختلف الأشكال والأحجام، هناك حفنة منها يمكن رصده على نحو مباشر.
كان لنظرية النسبية الفضل في الكشف عن وجود الثقوب السوداء نظرياً. فقد كشفت هذه النظرية عن أن الكون المرئي ليس إطاراً ساكناً وثابتاً لا يتغير تحدث فيه الأحداث بفعل قوى معينة، بل هو عبارة عن بنية أو هيكلية structure بأربعة أبعاد، ثلاثة مكانية وواحد زماني، يشوه ويحني الزمكان بفعل الكتل والجاذبية. وتشير معادلات آينشتين كيف أن درجة الإنحناء للزمكان تعتمد على تكثف المادة بما فيها كافة أشكال الطاقة. إذ أن الثقوب السوداء تنجم عن التزواج بين المادة والهندسة المكانية، بعبارة أخرى إنه يجمع ويركز كم هائل من الطاقة في منطقة مكانية صغيرة ومركزة جداً بحيث يكون كمن يحفر بئراً.

فكل جسيم وكل شعاع ضوئي يلجون في منطقة حرجة محددة بإطاره أو حافته ، اللامادية immatériel يتم امتصاصها وتحتجز أو تسحب إلى أعماقه وهي منطقة تأتي مباشرة بعد أفق الحدث horizonne d’événement.
إن صفات وخصائص الثقوب السوداء من الغرابة بمكان أنها اساءت لمصداقية المفهوم، ذلك لأن الثقوب السوداء تمس جوهر أو اسس مفاهيمنا للمكان والزمان وهي خصائص غريبة وشاذة ومخالفة للمألوف extravagantes.
لذلك حاول بعض العلماء المتخصصين بالثقوب السوداء تقديم تفاسير لسلوكياتها المتناقضة أحياناً رغم البساطة الظاهرية التي تبدو عليها كبساطة الجسيمات الأولية ويمكن تطبيق الوصف الترموديناميكي description thermodynamique عليها أي باعتبارها كتل مضغوطة ومصغرة جداً قابلة للنمو وكذلك قابلة للتبخر كما قال بذلك العالم البريطاني ستيفن هاوكينغ Stephen Hawking وقد أطلق هاوكينغ على فرضيته تسمية ظاهرة التبخر الكمومي أو الكوانتي phénomène d’évaporation quantique التي أثارت الكثير من السجالات والتساؤلات والاعتراضات مما يعكس عدم فهمنا للثقالة أو الجاذبية الكمومية أو الكوانتية gravité quantique، ومما يوفر في نفس الوقت مختلف المفاهيم أمام المنظرين للتعاطي مع هذه الظاهرة، بمعنى آخر إن الثقوب السوداء تلعب دوراً جوهرياً وأساسياً لتخطي حدود الفيزياء الحالية.

إن لوي أو حني الزمكان الناجم عن تأثير ثقب أسود، مسؤول عن التواءات وإعوجاجات أو انحرافات ملفتة ومدهشة. فمعادلات النسبية العامة تسمح بحساب إنتشار الإشعاعات الضوئية داخل المجال الثقالي أو الجاذبي champ gravitationnel للثقب الأسود، وبالتالي ، ومن خلال هذه الطريقة، يمكننا الحصول على صور مدهشة ومذهلة للتشوهات البصرية déformations optiques التي تعزى لتأثير ثقب أسود الذي يضاعف الصور الناجمة عن مصدر واحد. في خضم محاولات رصد الموجات الثقالية أو الجاذبة ondes gravitationnelles بدت صعوبة التقاط إشارة ثقالية جاذبة بعثت إبان تشكل ثقب أسود عند أنفجار هيبر نوفا hypernovae أو أثناء تصادم ثقبين أسودين. ومع ذلك فإن التخصصات الفلكية في المجال الثقالي ستكون أحد المفاتيح لكي تفتح أمام عمليات الرصد مناطق في الزمكان لا تزال عصية على الاختراق.

كانت فرضية الثقوب السوداء في البداية مجرد بناء نظري وكانت غاية علماء الفلك هي معرفة أين وكيف يمكن مراقبتها ومشاهدتها إن أمكن ذلك بعد إثبات حقيقة وجودها علمياً وعملياً.
وبفضل الفيزياء الفلكية النسبوية ، اي المجال الثقالي القوي أو الشديد، champ gravitationnel fort، بتنا نعرف أنه بفضل آلية الإنهيار الثقالي effondrement gravitationnel ، يمكن أن تتشكل ثقوب سوداء بمختلف الأحجام والكتل ، ويمكن لهذه الثقوب أن تتجلى لنا ، وإن على نحو غير مباشر، من خلال تأثيراتها على ما يحيط بها وبالتالي قابلة للمشاهدة والرصد بطريقة أو بأخرى.
فالثقب الأسود المنعزل سيكون بالتأكيد غير مرئي ويصعب رصده، ولكن ثقب أسود طبيعي من النادر أن يكون عارياً ومنعزلاً عما يحيط به. وعندما يسبح داخل محيط غني بالغازات والنجوم فإنه سيمتص المادة المغلفة ويتغذى عليها. والحال إن المادة المبتلعة سوف تعلن عن نفسها وتؤشر على اختفائها من خلال بعث إشعاع كهرومغناطيسي rayonnement électromagnétique وهو الأثر الدال الذي يحاول علماء الفلك رصده .

يمكن لثقب أسود ذو كتلة نجمية masse stellaire، يكون جزءاً من نظامي نجمي ثنائي أو مزدوج système binaire أن يمتص الغلاف الغازي لنجمته المرافقة له. وقبل أن يختفي، يتسخن الغاز بعنف باعثاً إضاءة متميزة ضمن سلم أو نسق إشعاعات ذات الطاقة العالية القصوى.
وهناك تلسكوبات فضائية موجودة على متن أقمار صناعية في المدار الأرضي تعمل بأشعة إكس Rayons X تبحث باستمرار عن ثقوب سوداء نجمية في أنظمة النجوم المزدوجة ذات إضاءات أو لمعانات متنوعة ، وقد نجحت تلك التلسكوبات في اكتشاف مئات المصادر الضوئية بأشعة Rayons X المزدوجة في مجرتنا، البعض منها كان تائهاً أو هائماً، أي أنها تبعث ومضات عشوائية من إشعاعات إكس Rayons X لبضعة ثواني. ولتفسير هذه الظواهر طور العلماء نموذج ” قرص التضخم الجرمي الناشئ من قوة جاذبيته disques d’accrétion” حيث يسقط غاز ساخن في حالة دوران لولبية داخل الثقب السود. يصاحب عملية السقوط إرتفاع في درجة الحرارة وإنبعاث للإشعاعات.

ويقدر العلماء أن القفزات الضوئية تأتي من مناطق تقع قبل قرص التضخم النجمي disques d’accrétion وتكون حارة جداً ومثيرة للاضطرابات والتهيجات، وقد تم الكشف عن وجود حوالي 20 ثقب أسود من هذا النوع في مجرتنا درب التبانة La Voie lactée. وإلى جانب الثقوب السوداء النجمية، فإن نظرية الإنهيار الثقالي تسمح بوجود ثقوب سوداء وسطية trous noirs intermédiaires كبيرة الكتلة massifs وضخمة أو هائلة الضخامة super massifs وكتلها تتجاوز بألف أو مليون أو مليار مرة أو أكثر بكثير كتلة شمسنا.

وقد اقترح العلماء ثلاث آليات لشرح هذه الظواهر الكونية العملاقة. فهي إما أن تكون ثقوب سوداء أساسية تعود في وجودها للحظات الأولى من عمر الكون المرئي primordiaux، تشكلت من تكثف روبات كبيرة gros grumeaux في عجينة الكون المرئي البدائي قبل 13 مليار سنة. الآلية الثانية هي صيرورة تستند إلى حالة النمو الذي لايقاوم للثقوب السوداء اي أن هناك نوع من الثقوب السوداء ينحو للتضخم والنمو باستمرار لايمكن عكسه أو مقاومته. الآلية الثالثة هي حالة الإنهيار الثقالي المباشر لحشد أو تكدس من النجوم.
أين يمكننا العثور على تلك الثقوب السوداء العملاقة؟ حيثما تتواجد المادة بكثافة وبالأخص في قلب المجرات أو في حالة تصادم واندماج المجرات. يوجد في مركز مجرتنا ثقب أسود هائل إسمه Sgr A وهو مصدر راديوي بامتياز يتميز بقوة تكثفه ومحاط بحشد متراص من النجوم ذات سرعات دوران مذهلة تتجاوز إضاءتها أربع ملايين مرة درجة إضاءة الشمس وحجمها هو أصغر من نظامنا الشمسي وكتلتها بين عشرة ومائة مليون مرة أكبر من كتلة الشمس، ومن هنا فإن وجود ثقب أسود هائل بكتلة أكبر بأربع مليون مرة من كتلة الشمس يسرع دوران ذلك الحشد من النجوم، هو الفرضية الوحيدة التي تتوافق مع نتائج الرصد والمشاهدة التي سجلتها تلسكوباتنا المتطورة الحديثة مؤخراً.

تجدر الإشارة إلى أن فكرة وجود ثقوب سوداء عملاقة قد طرحت في سنوات الستينات من القرن المنصرم القرن العشرين لتفسير النشاطات المكثفة لنوى المجرات النشطة . وترتب على ذلك اعتقاد أن أغلب، إن لم نقل جميع، نوى المجرات يمكن أن تحتضن ثقوباً سوداء هائلة حيث يتحكم بنشاطها وديمومتها توفر كميات مذهلة من الوقودالغازي، وهناك ثقوب سوداء ميكروسكوبية يمكن خلقها في مسرعات أو مصادمات الهادرون الكبيرة مثل مصادم سيرن CERN. وللمزيد من المعلومات العلمية التفصيلية والتقنية الرصينة عن الثقوب السوداء وأنواعها، يمكن مراجعة كتاب العالم الفرنسي جون بيير لومنيت jean pierre Luminet المعنون مصير الكون الثقوب السوداء والطاقة المظلمة أو المعتمة Le Destin de l’Univers : trous noirs et énergie sombre الصادر سنة 2010 وهو كتاب مهم جداً بجزئين.

أما الثقوب أو الحفر الدودية trous de vers فلها قصة أخرى ترتبط بما عرف في عالم الفيزياء بالفردنات أو الفرادات الهندسية Des géométries singulières . فابتداءاً من عام 1916 كانت معادلات نظرية النسبية relativité générale العامة لآينشتين Einstein قد توقعت وتنبأت بأن الكون المرئي يحتوي على ” آبار ثقالية جاذبة puits gravitationnels ذات كثافة وانحناءة للزمكان لانهائيين أو لا متناهيين ولحلول رياضية سميناها بعد عدة عقود بالثقوب السوداء.

وفي سنة 1935 اكتشف آينشتين و روزين Rosen إنه باستبعادهما فرادات المجال singularités du champ وبتعديلهما بشكل طفيف لمعادلات الثقالة أو الجاذبية، حصلا على حلول غير معقدة في حالة التناسق والتماثل الكروي المشحون والساكن في سياق توازن القوى. كان الأمر مقتصراً على تمثلات أو تجليات رياضية représentations mathématiques لكنها تمثل فضاء فيزيائي مكون من صفيحتين متشابهتين مرتبطين ببعضهما بجسيم يمثل جسراً pont. وبالتوفيق بين معادلات الثقالة ومعادلات الكهرومغناطيسية توصل العلمان المذكوران إلى نفس الاستنتاج وهو أن الصفائح المطوية على نفسها يمكنها أن ترتبط بعدد من الجسور على المستوى الكوانتي أو الكمومي. وللحفاظ عليها، لم يكن ممكناً لتلك الجسور أن تضم جسيمات محايدة بكتلة سالبة. فالجسيم المشحون الذي فكرا فيه كان عديم الكتلة masse nulle، بيد أنهما توقفا عند هذا الحد ولم يذهبا إلى أبعد من ذلك ، اي لم يعالجا حالة معادلات المجالات بجسيمات متعددة.

وقد عرف هذا الترابط بجسور آينشتين ـ روزين ponts d’Einstein – Rosen وسماها الفيزيائيون بالفضاءات متعددة التوصيلاتespaces multi-connexes ، ولم يفكر هذا العالمان آنذاك بإمكانية تطوير تلك التوصيلات أو الترابطات بشأن الصفة أو الخاصية غير المستقرة للتقلبات الكوانتية أو الكمومية fluctuations quantiques.

في عام 1956 اشتغل العالم الشهير جون ويليرJohn Wheeler على تلك التوصيلات الفضائية ـ المكانية وعند وصفه لخصائصها وصفاتها وسمها بالحفر أو الثقوب الدودية Wormholes أو بالفرنسية trous de vers .
وهنا ايضاً علينا أن نشير إلى وجود عدد من الحفر أو الثقوب الدودية المتنوعة وكلها كانت آنذاك عبارة عن مفاتيح رياضية أكثر من كونها أجسام حقيقية.

هناك الثقب الدودي لشفارشايلد Schwarzschild وهو ثقب يستحيل اختراقه حسب هذا العالم لأنه في مركز توجد فرادة singularité . وهناك الثقب الدودي راسنير نورستروم Reissner Nordström أو كير نيومان Kerr Newmann، الذي يمكن اختراقه واجتيازه ولكن باتجاه واحد فقط . وهناك الثقب الدودي للورنتز Lorentz ذو الكتلة السالبة masse négative، ويمكن اختراقه واجتيازه بالاتجاهين.

في سنة 1988 طلب العالم الفلكي كارل ساغان Carl Sagan من العالمين كيب ثورن Kip Thorne وريشارد موريس Richard Morris في جامعة كالتيش Caltech لكي يقدما له حلاً لاستغلال ثقب دودي على المستوى الماكروسكوبي بغية استكشاف الكون المرئي بسرعة تفوق سرعة الضوء وذلك من أجل استخدامه في روايته الشهيرة من الخيال العلمي ” إتصال Contact” والتي أعدت للسينما في فيلم سينمائي جميل من بطولة جودي فوستر ، وفي إطار بحثهما عن حل علمي مقبول إكتشفا أن من الممكن إبقاء ثقب دودي مفتوحاً بشرط استخدام مادة غريبة matière exotique أو طاقة عالية جداً لا يعرفها البشر اليوم أو مادة سالبة matière négative على سبيل المثال لكي يبدو الحل منطقياً. فلو حاولنا صنع ثقب دودي من مادة موجبة matière positive فإنه سينفجر إلى اشلاء بسبب كثافة طاقته العالية.

ولكي يكون للثقالة أو الجاذبية قوة طاردة أو نابذة force répulsive يتعين على هذا الجرم الفضائي أن يقدم قوة ضغط سالبة كما هو الحال مع ضغط النابض الميكانيكي tension d’un ressort وبالتالي يجب أن تتجاوز هذه الكمية كثافة الطاقة للمحافظة على تناسق أو اتساق المادة. ولو وجدت مادة سالبة يمكننا من الناحية المبدئية ـ نظرياً، خلق ثقب دودي ثابت وساكن statique بمراكمتنا لتلك الكتل حول الفتحة.

  • تجربة الثقالة الجاذبية الكمومية أوالكوانتيةExpérience de la gravité quantique :
 
بما أن المادة، داخل فرادة ما، تخضع لكثافة قصوى وتقلص إلى مستوى بلانك échelle planck مكانياً، لم يبق سوى خطوة لامتناهية في الصغر يجب تجاوزها لإخضاع هذا المحيط المادي لتقلبات الطاقةfluctuations d’énergie في نظرية الجاذبية أو الثقالة الكمومية أو الكوانتية théorie de la gravité quantique . وهكذا دعم بعض الباحثين فكرة إن الفرادات يمكن أن تصب في نوافير بيضاء fontaines blanches أو ثقوب بيضاء trous blancs تنساب منها المادة المحررة. وكان آينشتين وروزين قد اقترحا بجدية أن الصفائح المنطوية على نفسها للزمكان المرتبطة ببعضها بجسور كوانتية أو كمومية يمكن أن تقودنا إلى مناطق أخرى من الكون المرئي، أي إلى أماكن أخرى في الفضاء والزمان.

بعبارة أخرى إمكانية السفر وبلوغ النجوم القريبة والمجرات المجاورة بسلوكنا للثقوب الدودية. وقد صرح العالم جون ويلير أن بإمكان فرادتين أن يرتبطا في الفضاء الأقصى hyperespace بواسطة الثقب الدودي. المشكلة أن لا أحد من البشر لحد الآن قادر على التعامل مع مثل هذا الممر ومنحه حجم على المستوى الماكروسكوبي ـ الكوني.

فمن الناحية النظرية ، إن هذا الجسر في الفضاء الأقصى hyperespace هو على مستوى بلانك يساوي 10-33 من السنتمتر إلا أنه غير ثابت وغير مستقر وينغلق على نفسه في فضاء خلال 10-43 من الثانية ولو حاولنا تكبيره فسوف يدمر نفسه فكما وصفه الفيزيائيون إن الثقب الدودي ينتمي إلى الرغوة الكوانتية écume quantique ويخضع لقوانين الاحتمالية.
وبعد بضعة سنوات استعار العالمان ستيفن هاوكينغ من جامعة كمبردج وكوليمان coleman من جامعة هارفارد، مفهوم ويليرWheeler باقتراحهما أنه يمكن للزمكان أن يخضع لتأثير النفق effet tunnel مستخدمين الفكرة التي تقدم بها سابقاً العالم هيوغ إيفيرت Hugh Everett . وعلى غرار الالكترونات التي يمكنها القفز من نقطة إلى أخرى في المكان يمكن للكون أن يفعل نفس الشيء فتأثير النفق يخلق فتحات في رغوة الزمكان التي تقود إلى أكوان أخرى وهي الأكوان الجيبية أو الأكوان الجيوب Univers culs-de-sac وكلها بشساعة كوننا المرئي ويمكن التوسع في ذلك بالتوغل في ثنايا وأسرار الكوزمولوجيا الكمومية أو الكوانتية cosmologie quantique. وهو ماسنفعله لاحقاً.

من جانب آخر لايمكننا ، في حدود إمكانياتنا الحالية، تطبيق تأثير النفق على كيانات ماكروسكوبية ، وبالتالي يستحيل علينا حالياً استغلال الثقوب الدودية للسفر في أكوان أخرى بل فقط اختصار المسافات داخل كوننا المرئي . ولو كان هذا حلاً ممكنناً لتخطي الفرادة فإن تأثير النفق لا يطبق على الكيانات أو الكينونات الماكروسكوبية ، في حين ثبت إحصائياً وجود فرصة مفتوحة على اللانهاية كي يتمكن جسم مألوف في حياتنا اليومية من الانتقال آنياً من مكان لآخر ، وبالتالي فإن الصعوبة الحالية هي ذات طبيعة تقنية تكنولوجية وليس استحالة علمية عملية.

أي علينا أولا إيجاد طريقة تقنية وتكنولوجية قادرة على تفتيت مكوناتنا المادية الجسيمية وإرجاعها إلى حالتها الأولية مادون النووية ومن ثم نقلها آنياً وبأسرع من الضوء téléporter باستغلال تأثير النفق أو أية طريقة نقل أخرى ، ومن ثم إعادة تجميعنا وإعادة بناء جسيماتنا ومكوناتنا المادية إلى الحالة السابقة لعملية التفتيت والنقل téléportassions، أو إعادة نسخنا في مكان آخر من الكون المرئي بصورة فورية وهذا ممكن علمياً ومستحيل تقنياً في الوقت الحاضر. يبحث العلماء بفضل الفيزياء الكوانتية أو الكمومية عن جسيمات جديدة قادرة على إبقاء الثقوب الدودية مفتوحة.

وكان العالم لورنتز صرح أن الثقب الدودي يتطلب مادة غريبة أو غير معروفة وغير مألوفة exotique لكي يبقى مفتوحاً لأنه يحتاج إلى طاقة أقل من الفراغ الذي يشكل حالة الطاقة الدنيا. وقد يتمثل ذلك بالطاقة أو المادة السالبة أو المادة المضادة antimatière التي تبقي حنجرة الثقب الدودي بعيداً عن أفق الفرادة المركزية la singularité centrale

طبتم في رعاية الله وأمنه


بحث من إعداد: / د. محمد زهير



المصادر:
* البحث منقول بعد التنقيح عن مدونة نقطة



0 التعليقات:

إرسال تعليق